دراسة توثيقية قانونية
إعداد: زهير عساف – باحث في قضايا التنمية المستدامة
مقدمة
شهدت الساحة اللبنانية منذ آذار/مارس 2026 تصعيداً عسكرياً تميز باستخدام مكثف للطائرات المسيّرة وأنظمة الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية. هذا التحول التقني يثير تساؤلات قانونية جوهرية حول مدى توافق هذه الأساليب مع أحكام القانون الدولي الإنساني، خاصة فيما يتعلق بحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية.
تتناول هذه الدراسة التوثيقية تحليل استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية خلال الفترة الممتدة من 2 إلى 25 آذار/مارس 2026، مع التركيز على الآثار الإنسانية المترتبة على ذلك، في إطار القانون الدولي الإنساني والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
أولاً: الإطار القانوني المرجعي
يحدد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وبروتوكوليها الإضافيين لعام 1977، المبادئ الأساسية التي تحكم سير العمليات العسكرية:
- مبدأ التمييز
تنص المادة 48 من البروتوكول الأول الإضافي على وجوب التمييز في جميع الأوقات بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، وتوجيه العمليات العسكرية فقط ضد الأهداف العسكرية(1).
- مبدأ التناسب
تحظر المادة 51(5)(ب) من البروتوكول الأول الإضافي الهجمات التي قد تسبب خسائر عرضية في أرواح المدنيين أو إصابات لهم أو أضراراً للأعيان المدنية تكون مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المباشرة المتوقعة(1).
- مبدأ الاحتياط
توجب المادة 57 من البروتوكول الأول الإضافي على أطراف النزاع اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب الخسائر العرضية في أرواح المدنيين وتقليلها إلى أدنى حد(1).
- الحماية الخاصة للطواقم الطبية
تنص المادة 20 من اتفاقية جنيف الأولى على أن طواقم المستشفيات والمركبات الصحية تحظى بالحماية ولا يجوز استهدافها(2). وتنص المادة 19 من اتفاقية جنيف الرابعة على أن المستشفيات والمراكز الصحية لا تفقد حصانتها إلا إذا استخدمت في أعمال ضارة بالعدو خارج نطاق واجباتها الإنسانية(2).
- حماية مراكز الدفاع المدني
تنص المادة 61 من البروتوكول الأول الإضافي على أن وحدات ومنشآت الدفاع المدني تتمتع بالحماية الكاملة، ولا تفقد هذه الحماية إلا إذا ارتكبت أعمالاً ضارة بالعدو خارج نطاق مهامها الإنسانية(1).
ثانياً: أنظمة الذكاء الاصطناعي العسكرية – الخلفية التقنية
تشير تقارير دولية وتحقيقات صحفية إلى أن إسرائيل طورت ونشرت أنظمة ذكاء اصطناعي متطورة في عملياتها العسكرية، تمثل نقلة نوعية في طبيعة الحرب الحديثة(3).
أبرز الأنظمة الموثقة:
- نظام “The Gospel” (هابسورا – “الإنجيل”)
· نظام ذكاء اصطناعي يستخدم التعلم الآلي لتحليل كميات هائلة من البيانات وتوليد أهداف محتملة للعمليات العسكرية(4).
· يعمل على مبدأ الكمية مقابل النوعية، حيث وُصف من قبل ضابط استخبارات سابق بأنه “مصنع اغتيالات جماعية”(4).
· يستخدم التعرف على الصور لرصد تغييرات طفيفة في صور الأقمار الصناعية، مما يضغط أسبوعاً من العمل في 30 دقيقة(3).
- نظام “Lavender” (لافندر)
· مصمم لتعليم المشتبه بانتمائهم للفصائل المسلحة(4).
· خلال الأسابيع الأولى من الحرب على غزة، حدد النظام نحو 37,000 فلسطيني كـ”مشتبه بهم”(4).
· وفقاً لتحقيق أجرته مجلة +972، يعمل النظام بنسبة خطأ تصل إلى 10%، ويحدد أحياناً أشخاصاً لا صلة لهم بالفصائل المسلحة(4).
- نظام “Where’s Daddy?” (أين بابا؟)
· نظام آلي يتتبع الأفراد المستهدفين وينفذ الضربات عندما يدخلون منازل عائلاتهم(4).
· يمكن لضباط منخفضي الرتبة اتخاذ قرار إدراج أسماء في نظام التتبع(4).
- نظام “The Fire Factory” (مصنع النار)
· نظام لتنظيم وجدولة الغارات والهجمات على الأهداف المعتمدة عسكرياً(4).
التحذيرات من “تحيز الأتمتة”
يشير تحقيق أجرته صحيفة واشنطن بوست إلى أن أنظمة الذكاء الاصطناعي هذه أدت إلى “تسريع وتيرة وحجم الاستهداف بشكل غير مسبوق”، في ظاهرة تُعرف بـ”تحيز الأتمتة” (Automation Bias) – أي الميل البشري للاعتماد المفرط على توصيات الأنظمة التقنية دون تدقيق كافٍ(3).
وفقاً للتحقيق، أشار مسؤولون في الاستخبارات إلى أن الضباط غالباً ما كانوا يكرسون نحو “20 ثانية فقط” لكل هدف قبل الموافقة على القصف، فقط للتأكد من أن الهدف المحدد من نظام لافندر هو ذكر(3). هذا الوصف يعكس تحولاً خطيراً حيث أصبح البشر مجرد “ختم مطاطي” لقرارات الآلة.
ثالثاً: موقف الأمم المتحدة والمجتمع الدولي
تحذيرات الأمين العام للأمم المتحدة
في 12 أيار/مايو 2025، وجه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش رسالة مصورة إلى المشاورات غير الرسمية حول أنظمة الأسلحة الذاتية التشغيل، قال فيها(5):
“الآلات التي تمتلك القدرة والتقدير لسلب حياة البشر دون سيطرة بشرية هي أمر غير مقبول سياسياً، ومرفوض أخلاقياً، ويجب حظرها بموجب القانون الدولي.”
وأضاف غوتيريش: “لا يمكننا تفويض قرارات الحياة أو الموت للآلات. الوقت ينفد لاتخاذ إجراءات وقائية”(5). ودعا إلى إبرام صك قانوني ملزم بحلول عام 2026.
تحذيرات هيئات حقوقية
أعربت منظمة Privacy International عن قلقها من أنظمة الأسلحة الذاتية التشغيل، مشيرة إلى ثلاث إشكاليات رئيسية(6):
- حماية البيانات: غياب ضمانات كافية لحماية البيانات الشخصية التي تغذي أنظمة الأسلحة الذاتية.
- التحيز والخوارزميات: التحيز المضمن منذ البداية في بيانات التدريب، والتحيز الناشئ أثناء مراحل النشر والتعلم.
- الشفافية: عدم قدرة المشرف البشري على التدخل دون فهم كيفية عمل الأنظمة، مما قد يمنعه من تكوين حكم مستقل.
رابعاً: المسؤولية القانونية – الإطار الدولي
- مبدأ المسؤولية القيادية (Command Responsibility)
تنص المادة 86 من البروتوكول الأول الإضافي على أن قادة القوات المسلحة مسؤولون عن انتهاكات مرؤوسيهم إذا كانوا يعلمون أو كان لديهم معلومات تتيح لهم استنتاج حدوث الانتهاكات، ولم يتخذوا التدابير اللازمة لمنعها أو وقفها أو معاقبة مرتكبيها(1). كما توجب المادة 87 على القادة اتخاذ جميع التدابير الممكنة لمنع انتهاكات القانون الدولي الإنساني من قبل القوات الخاضعة لقيادتهم(1).
- الولاية القضائية العالمية (Universal Jurisdiction)
تسمح مبدأ الولاية القضائية العالمية للدول بالتحقيق في أخطر الجرائم الدولية (جرائم الحرب، الجرائم ضد الإنسانية، الإبادة الجماعية) ومحاكمة مرتكبيها، حتى لو لم تُرتكب الجريمة على أراضيها أو من قبل مواطنيها(7).
تطبق دول أوروبية عدة هذا المبدأ، بما في ذلك ألمانيا وفرنسا وبلجيكا والسويد وإسبانيا، التي فتحت تحقيقات في جرائم حرب في سوريا وأوكرانيا وأفغانستان(8). في ألمانيا، على سبيل المثال، تمت محاكمة مسؤولين سوريين وإدانتهم بتهم ارتكاب جرائم حرب، مما يشكل سابقة يمكن الاستناد إليها في ملاحقة مرتكبي الانتهاكات في صراعات أخرى(8).
- المحكمة الجنائية الدولية (ICC)
تعمل المحكمة الجنائية الدولية وفق مبدأ التكاملية، حيث تتدخل فقط عندما تكون الدول غير قادرة أو غير راغبة في التحقيق والمحاكمة بجدية(7). اختصاص المحكمة يشمل الأفراد الطبيعيين وليس الكيانات الاعتبارية(7).
- مسؤولية الشركات (Corporate Liability)
أشار تقرير للمؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد) إلى أن الشركات التي تزود الحكومات بتقنيات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في العمليات العسكرية قد تتحمل مسؤولية قانونية كمتواطئة في انتهاكات القانون الدولي(4).
مشروع Nimbus، وهو عقد مشترك بقيمة 1.2 مليار دولار بين Google وAmazon والحكومة الإسرائيلية، يوفر البنية التحتية للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي للجيش الإسرائيلي(4). رغم ادعاء الشركات أن العقد يستثني التطبيقات العسكرية، يشير خبراء إلى تداخل الخطوط بين البيانات المدنية والعسكرية في دولة شديدة الأمننة(4).
خامساً: توثيق استهداف مراكز الدفاع المدني – حادثة بعلبك 2024
خلفية
في سياق التوثيق الشامل للانتهاكات التي طالت البنية التحتية المدنية، تبرز حادثة استهداف مركز الدفاع المدني في بعلبك خلال التصعيد السابق عام 2024 كنموذج صارخ لانتهاك الحماية المقررة لوحدات الدفاع المدني بموجب القانون الدولي الإنساني.
التفاصيل الموثقة
خلال التصعيد العسكري في عام 2024، تعرض مركز تابع للدفاع المدني اللبناني في منطقة بعلبك للقصف، مما أدى إلى تدميره بالكامل وتعطيل قدرته على تقديم خدمات الإسعاف والإغاثة للسكان المدنيين في المنطقة. تعرضت مركبات الإطفاء والإسعاف التابعة للمركز أيضاً لأضرار جسيمة(9).
التحليل القانوني
- حماية مراكز الدفاع المدني
تنص المادة 61 من البروتوكول الأول الإضافي على تعريف واضح لوحدات الدفاع المدني: “هي المؤسسات والوحدات المنظمة التي تؤدي المهام الإنسانية المذكورة في المادة 62 والمتعلقة بحماية المدنيين من الأخطار، ومساعدتهم على التعافي من الآثار المباشرة للأعمال العدائية أو الكوارث”(1). - شروط فقدان الحماية
وفق المادة 65 من البروتوكول الأول الإضافي، لا تفقد وحدات الدفاع المدني حصانتها إلا في ظروف محددة، أبرزها:
· ارتكابها أعمالاً ضارة بالعدو خارج نطاق مهامها الإنسانية.
· بعد إنذار مناسب يحدد في جميع الحالات المناسبة مهلة زمنية معقولة ويبقى دون جدوى(1).
- التزامات أطراف النزاع
توجب المادة 62 من البروتوكول الأول الإضافي على أطراف النزاع احترام وحماية وحدات الدفاع المدني، وعدم استهدافها أو تعطيلها عن أداء مهامها الإنسانية(1).
في حالة استهداف مركز الدفاع المدني في بعلبك، لم تُعلن أي جهة رسمية عن إنذار مسبق للمركز أو عن أدلة على استخدامه في أعمال ضارة بالعدو خارج نطاق مهامه الإنسانية.
الدلالة التوثيقية
يشكل استهداف مراكز الدفاع المدني نمطاً متكرراً في النزاعات المسلحة التي تستخدم فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف. في الحرب على غزة، وثقت تقارير متعددة استهدافاً ممنهجاً لمراكز الإسعاف والدفاع المدني(3). هذا النمط يتكرر في لبنان، مما يشير إلى خلل نظامي في آليات تحديد الأهداف المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
سادساً: توثيق الانتهاكات في لبنان – آذار/مارس 2026
- استهداف مركز الرعاية الصحية الأولية في برج قلاويه
التاريخ: 14 آذار/مارس 2026
الوقائع: استشهد 12 من الأطباء والمسعفين والممرضين في غارة استهدفت مركز الرعاية الصحية الأولية في بلدة برج قلاويه جنوب لبنان(10). قالت فاطمة شومر، التي استشهد زوجها الممرض في الغارة: “الذين قُتلوا ليسوا عسكريين… هؤلاء الناس كانوا أطباء وممرضين، يساعدون الأطفال”(10).
التحليل القانوني: استهداف مركز صحي بشكل مباشر يرقى إلى انتهاك صريح للمادة 19 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر استهداف المستشفيات والمراكز الصحية.
- مجزرة حي المتربة – بعلبك
التاريخ: 4 آذار/مارس 2026
الوقائع: استهدفت غارة جوية مبنى سكنياً في حي المتربة وسط مدينة بعلبك، مما أدى إلى مقتل الطفلة ميرال عبد الستار (6 سنوات) والطفل علي عساف. عُثر على دفتر ميرال الوردي مكتوباً عليه “الصف الأول 2025/2026” بين الأنقاض، إلى جانب لعبة ملكة الثلج “إلسا”(11).
الشهادة الميدانية: قالت سيرين عثمان (35 عاماً)، قريبة إحدى الضحايا: “الحي هناك آمن جداً… الناس غادروا دوريس بسبب التحذير، ظناً منهم أنه سيكون أكثر أماناً. لو كان هناك خطر، لما انتقلوا. قُتلوا في ما اعتقدوا أنه ملاذ آمن”(11).
التحليل القانوني: لم يصدر أي تحذير بإخلاء المبنى قبل قصفه، مما يشكل انتهاكاً للمادة 57 من البروتوكول الأول الإضافي التي توجب اتخاذ “احتياطات فعالة” لتجنب الخسائر المدنية.
- مجزرة شمسطار – 6 آذار/مارس 2026
الوقائع: استهدفت غارة جوية منزل عائلة في بلدة شمسطار في قضاء بعلبك، مما أسفر عن مقتل ستة أشخاص من عائلة واحدة، بينهم أربعة أطفال وامرأة(12).
المصادر: وزارة الصحة اللبنانية، الوكالة الوطنية للإعلام.
- مجزرة النبي شيت – 6-7 آذار/مارس 2026
الوقائع: سلسلة غارات جوية استهدفت بلدة النبي شيت والقرى المجاورة في قضاء بعلبك، مما أسفر عن مقتل 41 شخصاً، بينهم ثلاثة عسكريين لبنانيين، وإصابة 40 آخرين(13).
المصدر: وزارة الصحة اللبنانية / وكالة أنباء الأناضول.
- مجزرة شعت – 11 آذار/مارس 2026
الوقائع: استهدفت غارة جوية منزلاً في بلدة شعت أثناء تناول العائلات وجبة الإفطار في شهر رمضان. قُتل ثمانية أشخاص من ثلاث عائلات(14).
الشهادة الميدانية: قال حسن طحان (45 عاماً)، شقيق اثنين من القتلى، إن ثلاث عائلات كانت تتناول الإفطار معاً عندما ضربت الغارة المنزل. وأضاف أن منزله لم يكن يحتوي على أي أسلحة: “لا نملك حتى مسدساً”(14).
- مجزرة رأس العين – 17 آذار/مارس 2026
الوقائع: استهدفت غارة جوية حياً سكنياً في منطقة رأس العين بمدينة بعلبك، مما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص بينهم زوجان وطفلهما ذو الثلاث سنوات(15).
الشهادة الميدانية: قال علي بوري، الذي وصل إلى موقع الغارة بعد دقائق من وقوعها: “لا أستطيع وصف ما وجدته. لم تكن هناك جثث كاملة”(15).
- استشهاد المسعف يوسف عساف – الصليب الأحمر اللبناني في صور
التاريخ: 9-11 آذار/مارس 2026
الوقائع: استُهدف المسعف يوسف عساف (35 عاماً)، وهو متطوع في هيئة الإسعاف والطوارئ في الصليب الأحمر اللبناني في صور، أثناء قيامه بواجبه الإنساني في بلدة مجدل زون. استشهد بعد يومين في 11 آذار/مارس(16).
الشهادة الإنسانية: قالت زوجته، جان دارك بطرس (32 عاماً)، وهي معلمة وأم لثلاثة أطفال: “اتصلوا بي حوالي الساعة 10:30 مساءً وأخبروني أنه أصيب وأنه في المستشفى… كيف يمكنهم إصابة أو قتل مسعفين ينقذون الناس؟ إنهم ليسوا مسلحين ولا ينتمون إلى أي حزب”(16).
الموقف الدولي: أدان الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر (IFRC) بأشد العبارات استشهاد يوسف عساف، واصفاً إياه بأنه “استشهد أثناء قيامه بواجبه الإنساني لمساعدة وإنقاذ الأرواح”(16).
التحليل القانوني: في وقت الاستهداف، كانت سيارات الإسعاف تحمل بوضوح شعار الصليب الأحمر المحمي بموجب القانون الدولي الإنساني. استهداف المسعفين يشكل انتهاكاً صريحاً للمادة 20 من اتفاقية جنيف الأولى.
- استشهاد الأب أنطوان صبالي – رميش
الوقائع: استشهد الأب أنطوان صبالي، أحد رجال الدين في بلدة رميش الحدودية جنوب لبنان، نتيجة الغارات الإسرائيلية التي استهدفت المنطقة(17).
التحليل القانوني: بموجب المادة 8 من اتفاقية جنيف الرابعة، يتمتع رجال الدين بالحماية كمدنيين، ولا يجوز استهدافهم تحت أي ظرف ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية.
- أرقام رسمية – حتى 24 آذار/مارس 2026
وفقاً لوزارة الصحة اللبنانية وتقارير الأمم المتحدة(18):
· 1,072 شهيداً في لبنان منذ 2 آذار/مارس
· 2,966 جريحاً
· 118 طفلاً بين القتلى، و372 جريحاً (وفق اليونيسف)
· 38 من العاملين في القطاع الصحي استشهدوا
· 53 هجوماً استهدف طواقم الإسعاف
· 30 سيارة إسعاف تم استهدافها
· 13 مركزاً طبياً تعرض للقصف
· نزوح أكثر من مليون شخص، بينهم 400 ألف طفل
سابعاً: التحليل القانوني المتكامل
- انتهاك مبدأ التمييز
استهداف مراكز صحية (برج قلاويه)، مراكز دفاع مدني (بعلبك 2024)، مسعفين (يوسف عساف)، مدارس (تحولت لملاجئ)، ومنازل سكنية (شمسطار، شعت، المتربة) يثير تساؤلات جدية حول مدى الالتزام بمبدأ التمييز الذي يوجب التفريق بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية.
- انتهاك مبدأ التناسب
في مجزرة شعت، قُتل ثمانية مدنيين أثناء تناولهم الإفطار. في مجزرة شمسطار، قُتل أربعة أطفال من عائلة واحدة. في مجزرة رأس العين، قُتل زوجان وطفلهما. هذه الأنماط تثير تساؤلات حول ما إذا كانت الخسائر المدنية الناتجة عن هذه الهجمات كانت “مفرطة” مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة، وهو ما تحظره المادة 51(5)(ب) من البروتوكول الأول الإضافي.
- انتهاك مبدأ الاحتياط
غياب التحذيرات المسبقة في معظم الحالات الموثقة (المتربة، شمسطار، شعت) يشكل انتهاكاً للمادة 57 التي توجب اتخاذ “احتياطات فعالة” لتجنب الخسائر المدنية.
- انتهاك الحماية الخاصة للطواقم الطبية
استهداف المسعف يوسف عساف واستشهاد 12 مسعفاً في برج قلاويه يشكلان انتهاكاً صارخاً للمادة 20 من اتفاقية جنيف الأولى، التي تنص على أن “أفراد هيئات الإسعاف لا يجوز أن يكونوا هدفاً للهجوم”.
- انتهاك الحماية الخاصة لمراكز الدفاع المدني
استهداف مركز الدفاع المدني في بعلبك عام 2024 يشكل انتهاكاً للمادة 61 من البروتوكول الأول الإضافي التي توجب احترام وحماية وحدات الدفاع المدني.
- انتهاك الحماية الخاصة لرجال الدين
استشهاد الأب أنطوان صبالي في رميش يشكل انتهاكاً للمادة 8 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تمنح رجال الدين حماية خاصة كمدنيين.
- تصريحات الخبراء القانونيين
قالت شهد حموري، محاضرة في القانون الدولي في جامعة كنت، في تعليقها على الغارات في بعلبك: “حتى لو كان أحد الأشخاص داخل المبنى مقاتلاً، لا يوجد شيء في القانون الدولي يقول إنه يمكنك قصف مبنى سكني يقيم فيه فرد عسكري مع عائلته”(11).
ثامناً: التوصيات
على المستوى الوطني اللبناني
- التوثيق والتحقيق: إنشاء آلية وطنية مستقلة لتوثيق الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي الإنساني، بالتعاون مع المنظمات الحقوقية المعتمدة.
- الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية: على الحكومة اللبنانية الانضمام إلى “نظام روما الأساسي” للمحكمة الجنائية الدولية.
- حماية مراكز الدفاع المدني: تعزيز حماية مراكز الدفاع المدني ومركبات الإسعاف، ورفع تقارير مفصلة عن الانتهاكات إلى الأمم المتحدة.
على المستوى الدولي
- التحقيقات المستقلة: دعوة المفوضية السامية لحقوق الإنسان إلى تشكيل بعثة تقصي حقائق مستقلة للتحقيق في الانتهاكات المزعومة.
- تنظيم الذكاء الاصطناعي العسكري: العمل ضمن إطار الأمم المتحدة لوضع معايير دولية ملزمة تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، تضمن:
· إبقاء الرقابة البشرية الفعالة على قرارات الاستهداف.
· متطلبات دقة وحداثة البيانات المستخدمة.
· آليات للمساءلة القانونية عن أخطاء الأنظمة الآلية. - الولاية القضائية العالمية: تشجيع الدول الأوروبية على فتح تحقيقات في الانتهاكات المرتكبة في لبنان بموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية.
- حماية الطواقم الطبية: التذكير بالالتزامات الدولية بحماية الطواقم الطبية وسيارات الإسعاف بموجب اتفاقيات جنيف، وضمان التحقيق في الانتهاكات المرتكبة ضدهم.
على مستوى المجتمع المدني
- قاعدة بيانات مركزية: توحيد جهود التوثيق في قاعدة بيانات مركزية ومتاحة للباحثين، لتكون مادة مستقبلية للمحاكم الدولية.
- الملاحقة القضائية: تقديم ملفات موثقة إلى القضاء في الدول التي تطبق مبدأ الولاية القضائية العالمية.
تاسعاً: الخلاصة
يثير استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية تساؤلات قانونية جوهرية حول مدى توافق هذه الأساليب مع التزامات القانون الدولي الإنساني. ورغم أن هذه التقنيات قد تساهم في تعزيز الدقة في بعض الحالات، فإن مخاطر الاعتماد على بيانات غير دقيقة أو قديمة، وسرعة اتخاذ القرار التي تقلل من فرص التدقيق البشري، تظل قائمة.
في زمن الذكاء الاصطناعي، تبقى المسؤولية القانونية والأخلاقية على عاتق البشر، ويبقى الحق للضحايا وعائلاتهم في العدالة والمحاسبة. فالتكنولوجيا، مهما تطورت، لا تلغي مبدأ أساسياً في القانون الدولي: المدنيون ليسوا أهدافاً، والطواقم الطبية ليست هدفاً، ومراكز الدفاع المدني ليست هدفاً، ورجال الدين ليسوا هدفاً.
المصادر
- اللجنة الدولية للصليب الأحمر، “اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولين الإضافيين لعام 1977”
- اللجنة الدولية للصليب الأحمر، “اتفاقية جنيف الأولى لتحسين حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان، 1949”
- The Washington Post, “Israel built an ‘AI factory’ for war; it unleashed it in Gaza”, 30 December 2024
- المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد)، “AI Plotted Genocide: How Corporations Facilitate Israel’s AI-enabled War on Gaza”, 2024
- الأمم المتحدة، الأمين العام، “رسالة مصورة إلى المشاورات غير الرسمية حول أنظمة الأسلحة الذاتية التشغيل”، 12 أيار/مايو 2025
- Privacy International, “PI statement during informal consultations on autonomous weapons systems in New York”, 22 May 2025
- European Human Rights Advocacy Centre (EHRAC), “International mechanisms for restoring the rights and interests of survivors”, 10 May 2025
- InfoMigrants, “European states widen pursuit of Syrian war crimes”, 13 November 2025
- الوكالة الوطنية للإعلام (لبنان)، “استهداف مركز الدفاع المدني في بعلبك”، 2024 (أرشيف)
- فرانس برس، “وزارة الصحة اللبنانية تعلن مقتل 12 من الطاقم الطبي بغارة إسرائيلية على مركز صحي في الجنوب”، Swissinfo، 14 آذار/مارس 2026
- The Irish Times, “Amid the rubble of a Lebanese city, locals count their dead and what remains”, 25 March 2026
- وكالة أنباء الأناضول، “Israeli strike on town in east Lebanon kills 6, including 4 children: ministry”, 7 March 2026
- وكالة أنباء الأناضول، “55 killed in Israeli airstrikes on eastern Lebanon: Health Ministry”, 7 March 2026
- HESPRESS English, “Israeli strike on town in east Lebanon kills 8 civilians as families break Ramadan fast”, 11 March 2026
- وكالة فرانس برس، “Israeli strikes kill four in Lebanon’s Baalbek as Hezbollah fires rockets”, 17 March 2026
- الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر (IFRC)، “IFRC condemns the killing of a Lebanese Red Cross paramedic in Lebanon”, 11 March 2026
- وكالة فرانس برس، “Israeli strikes on Lebanon kill priest in border town of Rmeish”, March 2026
- الأمم المتحدة، مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، “Lebanon: Flash Update #5 – Escalation of hostilities in Lebanon”, 9 March 2026
تنويه قانوني:
شهداء لبنان ليسوا مجرد أرقام. هم:
· الطفلة ميرال التي كان دفترها الوردي ينتظر الصف الأول الابتدائي.
· المسعف يوسف عساف الذي ترك زوجة وأطفالاً ينتظرون عودته.
· الأب أنطوان صبالي في رميش، رمز الانتهاك لكل ما هو مقدس وإنساني.
· 12 مسعفاً في برج قلاويه، سقطوا وهم يؤدون واجبهم الإنساني.
· عاملو الدفاع المدني في بعلبك الذين استُهدف مركزهم عام 2024.
· أطفال شمسطار الأربعة من عائلة واحدة.
· زوجان وطفلهما في رأس العين.
· عائلات شعت الثلاث التي جمعها الإفطار فجمعها الموت.
هذه الدراسة تهدف إلى توثيق وتحليل وقائع وأحداث استناداً إلى معلومات متاحة من مصادر إعلامية وتقارير دولية موثقة. لا يشكل هذا التحليل أي اتهام قانوني لأي طرف، بل يهدف إلى المساهمة في النقاش العام حول تطبيق القانون الدولي الإنساني في سياق استخدام التقنيات الحديثة في العمليات العسكرية. جميع الآراء والتحليلات الواردة فيها تعبر عن جهد بحثي مستقل، ولا تعكس مواقف أي جهة رسمية أو حكومية.
