
في كل مكان نتواجد فيه. قد نقوم في طرح العديد من الأسئلة. وتتجلى رزمات عديدة من التساؤلات. لماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ أيمكن ذلك؟ هل يؤدي هذا؟ ما ماهيتها؟ هل ذلك مفيد؟ فهل من المعقول ايقاف هذه الفوضى النظامية المهذبة؟ ثم نفكر بعد ذلك حول: ماهية الخطوات التي يمكن من خلالها لسكان العالم المتزايدين، وكيف يمكن أن يعيشوا فيها ومعا بسلام؟ كيف يمكن من أن تكون مواطن مسؤول في عصر التصحيف الشامل الرقمي والاندماجي؟ هل بالامكان التحوط من الأزمات؟ وهل نستطيع التنبه للجوائح والأزمات القادمة؟ وهل من الممكن التحكم بالتقنيات التي تمنحنا القدرات الكبيرة؟ ثم يثور في البال استفهام عميق. في أي يد تنحصر مسؤولية المستقبل؟ هل هي بكف الدول وسلطاتها؟ أم هي محصورة بقبضة الشركات العملاقة ما فوق القارية والمتعددة الجنسيات والأبعد من القومية؟ وهل هي محصورة ضمن النخبة المختارة من جماعة أصحاب المصلحة؟ وهل هنالك مسؤولية فردية شاملة لهم؟
بدأ عصر التنوير قبل أكثر من ثلاثة عقود. وحمل معه التقدم والمنطق. هذا بالاضافة الى شعارات حقوق الانسان. وها قد أصبحت هذه الانجازات والعناوين نفسها اليوم في خطر. فهل يحتاج العالم الى التنوير من جديد؟ أي الى تنوير ما بعد الحداثة والألفية الثالثة، أو الى عصر ما بعد التنوير.
يعد الوطن أكثر من مجرد مكان جغرافي. انه الملاذ والعبارة الحقيقية عن كل مجموعات القيم الانسانية المشتركة الملتحمة مع الأرض. ويجب في أن تصتبغ بلا أدنى شك بالنفحات، الروحية والثورية المساعدة في التخفيف من طرائق القصور البشرية الذاتية. رغم كل روتينيات وخذلان الحياة اليومية، ومع الزامية التعامل في منطق والتصرف بحكمة.
تؤدي حالة عدم الخروج من الدوامة والغرق في عدمية النضج، الى السقوط في عواقب غير متوقعة. اذ أمسى الانسان مسيطرا على الطبيعة بمبالغة كبيرة. يمكن من خلالها النظر الى التغير المناخي، على انه النتيجة الطبيعية للاستغلال المتطرف للموارد، والأصم التكنولوجي، والعلمي المكثف في العالم. بحيث كان ذلك جزءا من رؤية حركة التجديد والتنوير، من خلال اكتشاف الطبيعة واستغلالها لتحقيق الراحة والرفاهية.
يثور نقاش كبير. وهو ليس، عن من يتحمل مسؤولية الماضي فقط. وانما عن المستقبل أيضا. في وجوب وكيفية الحفاظ عليه، على أن لا يكون الحاضر بنفسه فخ ومكيدة المستقبل. ان كل ما سيحصل على المدى القصير، هو الأهم نسبيا من المدى الطويل. لكنه مؤسس وبصفة مباشرة له، في الأمداد البعيدة. لذا يعد وضع الأهداف الطويلة الأجل أمر جميل. لكن ان لم تبدأ في الاجراءات وفي أسرع وقت. فسيكون تحقيق هذه الأهداف أمر صعب، وخاصة على الأجيال القادمة. لذلك يجب توزيع المسؤوليات على مراحل محددة من الزمن، وفي أن تكون أكثر وضوحا. ضمن هذا السياق. وتبدو أغلب المؤسسات الدولية بحاجة الى مؤشرات من المحاسبة الكبيرة والمؤثرة. بشكل لا تمرر فيه المسؤولية الى الأجيال المستقبلية هروبا بكل بساطة.
حكم الملوك والأباطرة في مرحلة القرون الوسطى وما قبلها. استمدوا حكمهم من الآلهة والأساطير والغيبيات. كان كل من يعبث معهم، وكأنه يعبث مع الآلهة والخطوط الحمر. ويطلق عليه لقب المهرطق والزنديق. ووجب قتله. ظهرت الخلافات تباعا بين السلطات الدينية والوضعية. وتجلت فجوة المنطق. انطلقت من كون اعتبار البشر مخلوقات رشيدة وحرة. لكنها مسؤولة عن أفعالها.
تجني بعض المجموعات الأرباح من خلال مهارة تحمل مسؤولية عن الآخرين. انبثقت عبرها وبشكل متدرج نظريات التأمين على المؤمن. انتشرت شركات اعادة التأمين في العالم. حيث تقوم هذه الشركات في تغطية شركات التأمين ضد الكوارث، كالأضرار الناجمة عن الهجمات الارهابية أو حتى بعض الكوارث الطبيعية. يندر في أن تتحدث الأخبار عن هذه الأعمال. لكنها تتمتع بسلطات عظيمة وقدرات مهولة. وتعتمد عليها قطاعات أساسية عديدة، في كل برامجها ودراساتها. حيث تعمل شركات التأمين كمؤشر مستقبلي للعالم.
يتغير العالم. وتفقد الاستدامة شروطها وحيويتها. أمست المرونة متكسرة وموحلة. وأضحت الديناميكية العملية أقل ثباتا. يجب تفهم كل هذه المخاطر والأخطار، والتمحيص في كيفية تبدل العالم. ينطلق دور شركات الحماية والتأمين من تلقائية تغطية الناس وحمايتها، في حال وقوع أحداث متطرفة. فكيف ستكون المخاطر الرئيسية بالنسبة للناس والشركات بعد عدة عقود؟ هل هنالك من دوافع أخلاقية؟ قد تجعل الأفضلية لبعض الشركات على الأخرى. أم توجد هنالك دوافع اقتصادية مختلفة. وسيتمكن من خلالها النجاح في تطبيق معايير الاستدامة المؤسساتية، وللشركات المزيد من التفوق المالي والاقتصادي، وللدول التطور الاستمرارية وربما التوسع.
أما عن الناحية الأخلاقية، فهي تتعلق في وجوبية اتباع سياسة الحماية المجتمعية الشاملة. ولو انها تخسر البعض المبالغ الوافرة من أقساط التأمين. قد تحرمهم من تحقيق الأرباح، وهذا يعني بالتالي كسب أقل للأموال. لا يتصرف العالم في ظل النظام الحالي بصورة مستدامة. ولا يأخذ المستقبل بعين الاعتبار. لذا يجب مراجعة مقاييس النجاح والمخاطر. فهل يعتبر مقياس الناتج المحلي وحده مقياس النجاح؟ وهل النمو من دون حدود أمر واقعي؟ اذ أصبحت الأمور أكثر من مجرد مسألة أخلاقية. تعدتها الى كونها منطقية وطبيعية وحتى غير طبيعية.
تتجلى صعوبة في التكيف. وقد لا يرغب الكثيرون في تغيير أسلوب حياتهم. سيما أن بداية ونهاية الأزمات والجوائح هي قبل كل شئ مسائل فكرية. هذا وتكمن الاشكالية في السعي الى ايجاد الحلول من منطلق الراحة، عوضا من حسم الأمور ضمن مبدأ الضرورة الحتمية والمشكلة الجوهرية للسلوك القويم. فهل يمكن لأي فعل من أن يتحول الى قانون عام؟ انها بالفعل معضلة حقيقية ومعقدة. وتنطلي على منطق شديد التشابك، خاصة أن لدى الناس أولويات واهتمامات مختلفة. فلماذا نحكم عليهم من زاوية موحدة؟
لا يجب أن نكون بالطبع ضد التكنولوجيا. لكن يفترض أن تحفر مقومات الحدس العلمي وفلسفته. حيث تثورعدة شكوك حول من يملك التكنولوجيا، ومن يتحكم بها؟ وما هو مجال استخدامها. سيما أن التعاون الدولي لا ينجح، الا في حالة المساواة والتشابكية بين جميع الأطراف، وفي أن تتصرف بصورة أخلاقية من تلقاء نفسها.
فلا يمكن لأشخاص بلا مشاعر اتخاذ قرارات عقلانية. يجب توافر التكامل الشامل بين العاطفة والمنطق. وتلعب المشاعر في الكثير من القرارات. تسهم كذلك في التفكير والبحث عن المغامرات والتجارب الجديدة. يحق للدولة تقليص دور الأشخاص وعلى حسب امكانياتهم. وأن تتقصد في تحجيمهم وتعريفهم. لكي يصبحوا معتمدين على أنفسهم وغيرهم الى حد ما. فشركات وادي السيليكون لا تتذكر التاريخ جيدا. فهم لم يتعلموا أي درس من الفوضى والتغييرات، رغم انهم ملوك المساهمة في أغلب المتغيرات.
اذا تم جمع كل المتغيرات ومن نظرة ساذجة الى العالم، ومع القدرة الى الوصول الى عدد كبير من الأشخاص أحيانا. فقد تكون البدايات الجديدة من أجل اعادة التفكير، في كيفية صنع المنتوجات الضرورية والمركزية، وتنمية عالم متقدم من اللامركزيات. انه مبدأ من مبادئ الرأسمالية التي تشدد، في أن منتج أفضل يمكنه تغيير السوق بشكل كبير. ويسهل ذلك الأمر، من أن تكون الدولة حكما في مجالات اختصاصها. فقد تعجز الشركات رغم قدرتها وأهميتها عن تحمل بعض المسؤوليات، خصوصا من ناحية الأولويات والسياسات والمصلحة المشروطة لمنتجها وموظفيها.
يعتبر الأمر كذلك فيما يخص استراتيجية تحقيق الأرباح، وهم قلة قليلة من أغلبية المجتمع. عندها تظهر وظيفة الحكومة، التي قد تحتاج الى السعي في خلق بيئات تحمي المنافسة العادلة. حتى لو كان في ذلك تفكيك الشركات. لأنها أصبحت كبيرة الحجم، وقد يشعر الناس بقلق كبير حيال تفكيك ومحاسبة الشركات العملاقة. وتتمحورالخطورة في ظهور نوع منحرف من الرأسمالية اللامحدودة، وغير المتحكمة بالضوابط. ويمكنها أن تحل المشكلات، لأن ذلك يعكس طبيعة المجتمع الانقسامية، وتفاوتية الثروات وأكثر من أي وقت مضى.
يجب أن ينطلق التحديث من فرضيتين:
- القوة الرأسمالية وقدرتها السلعية القوية.
- القوة التكنولوجية المطلقة، والتي يجب ضبطها وفهمها، كي لا تؤذي العالم بدل الافادة المرجوة منها.
ان من غير المفهوم للانسان علميا والى الآن، كيفية مفهومية هذا الكون لنفسه بالكامل. خلق الله بسره الأزلي الليل والنهار. رصف الشمس والقمر. شكل الصيف والشتاء. أوجد المياه والنار. وكون الزمهرير والقيظ. أظهر كذلك البرودة والحرارة. لذا فعند اختراع واكتشاف أي شئ، يتولد الضد منه حتما. انه النظام الكوني القائم على التوازن والانسجام التام، والمعاكس أحيانا. وتصبح المعركة في كيفية حماية هذا المولد الجديد، من قرينه وعدوه اللدود الذي يفديه ويفنيه.
يوجد لكل كتلة نقيض وخلاف. اذ أن عدو كل مخلوق موجود في داخله أولا. فحينما يتم ابتكار معادلة ونظرية جديدة، أو حتى عند اختراع محدد. يظهر معها عالمها، أي حوادثها وسلبياتها ومخاطرها وتباينها. عندها يصبح الخطر من سطوة السلبية على الايجابية المحقة. وتبدأ عبرها رحلة اللامتوقعات في كسرها لكل التوقعات. ينطبق ذلك على القانون وقواعده الآمرة، وثغراته المتمردة والمبطلة لها. تظهر معها المناهج والاستثناءات. وتتجلى مع الطبيعة وشواذاتها. هنالك الايمان والالحاد. تنطبق على البناء وركامه، الى السفينة وحطامها. فتوجد السباحة ويوجد الغرق. وتوافق على صناعة الطائرة، وحادث سقوطها المحدد بغير ميعاد. اكتشفت الكهرباء، وحلت معها الصعقة الكهربائية. ابتكرت الأدوية ومضاعفاتها وحالات التسمم. فان لكل فكرة جديدة وتقدم تكنولوجي، فوائد ظاهرة ومضمرة بنوع من الضرر. ويتجلى مع كل اكتشاف ابتداع لنظام جديد.
ان هذا ما يتصل بشكل مباشر مع الشركات، وخاصة التكنولوجية منها. تلك التي تهتم فقط في الاكتشافات، من دون البحث عن مخاطره وسلبياته، رغم كل ايجابيته وتسهيلاته الانسانية. ينبغي بالتالي التوقف عن صفة الفردية في القرارات. وتجنب الاحتكارية في المكتسبات والتشاركية في المصائب. قد لا تحل التكنولوجيا المشكلة بمفردها. لكنها قد تنجح في اتباع المسؤولية والتقاسم العادل.
يجب أن تحتوي التكنولوجيا، على أبعاد ثقافية وسياسية واجتماعية. وليس ربحية ورقمية فقط. وهذا ما يدل على ضرورة البحث في العواقب، انه فعل ناضج. لذا ان الحل ليس في تحميل المسؤولية للمستخدمين من قبل شركات الابتكار. حيث تكمن قوة الانسانية في تنوعها الكبير. ويشتمل التصرف بمسؤولية على الحذر، ذلك أن المستقبل هو الأمل الذي يعتمد بشكل كبير على المعرفة. لا يمكن التحكم في المستقبل. لكن يفترض الانغماس في تشكيله وتطويره وتصوره والتحضير له بعناية. اذ أن التطوير ليس حقبة وانما مهمة، باعتبار أن وجود الفرد مهم جدا، في اطار كونه فردا عالميا ومندمجا ومجتمعيا ناجحا ونافعا. لا يهتم العالم للفرد بصفة شخصية في أي شئ أبدا. لقد أصبح العالم بالمقارنة، مع أي مدة زمنية وفترة ماضية أكثر التحاما وقربا. وأضحى الانسان الفرد أهم من قبل. لكن تنبع أهميته فقط من تقديمه وكفرد، النجاح والانجاز للمجتمع والجماعة والدولة، وفي دخوله كتله الضوء والتأثير. تعتبر الضروريات الحتمية شعار حكمي للأفعال الانسانية. فحتى لو لم تستطيع معرفة أي شئ قادم في الغد، عليك أن تتحضر لأن تكون فردا ايجابيا وجاهزا للمساعدة، وبتوازن انسيابي بين العواقب والمسؤولية، وعدالة الحصص والتفكير والمكتسبات بأسلوب دقيق.