
إن إعادة تشكيل السلطة التنفيذية في لبنان مع مطلع عام 2025، والتي تجسدت في إنهاء الشغور الرئاسي الطويل بانتخاب قائد الجيش العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية ، وتكليف نواف سلام بتشكيل حكومة تكنوقراط جديدة ، وضعت الدولة اللبنانية أمام معضلة كلاسيكية في علم الاجتماع السياسي. تتقاطع في هذه المعضلة حدود الشرعية الدستورية المكتسبة مع واقع العجز البنيوي عن احتكار أدوات العنف المادي. وعلى الرغم من تضافر الإرادة الدولية والإقليمية مع رغبة داخلية في تحقيق الاستقرار ، إلا أن تطورات الأحداث الممتدة حتى منتصف عام 2026 كشفت عن تداخلات جيوسياسية معقدة تعيد رسم حدود السلطة الفعلية وتطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الدولة اللبنانية وسلطتها السيادية.
أولاً، السلطة كمفهوم: أبعادها النظرية وتداخلها مع البنية اللبنانية
تستوجب مقاربة الحالة اللبنانية تفكيكاً نظرياً لمفهوم “السلطة” وعلاقتها العضوية بجهاز الدولة، حيث تقف التعددية اللبنانية كنموذج استثنائي يتحدى النظريات السوسيولوجية الكلاسيكية لنشوء الدولة وسيادتها.
ينظر ماكس فيبر إلى الدولة الحديثة بوصفها مؤسسة تحتكر بنجاح الاستخدام الشرعي للعنف المادي ضمن حيز جغرافي محدد، مما يعني أن حدود السلطة تبدأ وتنتهي عند قدرتها على إقصاء أي فاعل مسلح موازٍ. بموجب هذا المنظور الفيبري، تفتقر الدولة اللبنانية إلى جوهر “الدولانية” نتيجة عجزها عن نزع سلاح المجموعات غير الحكومية وفي مقدمتها حزب الله.
وعلى النقيض من ذلك، يقدم ميشيل فوكو رؤية شبكية للسلطة؛ فهي لا تنبع من جهاز مركزي يحتكر العنف، بل هي علاقات وممارسات انضباطية تسري في الخطابات والمؤسسات والممارسات اليومية. من هذا المنطلق، لا تنتهي سلطة الدولة اللبنانية عند تخوم المربعات الأمنية للميليشيات، بل تعيد إنتاج نفسها عبر الهيمنة البيروقراطية، وإدارة الاقتصاد الخدماتي، وصياغة الشرعية الميثاقية التي تحظى بقبول المحكومين.
أما ألان باديو، فيطرح مفهوم “الحدث” بوصفه قطيعة راديكالية تخلخل النظام القائم وتفرض شروطاً جديدة للتمثيل السياسي والوجود الجماعي. ويمكن قراءة انتخاب جوزيف عون في يناير 2025 بمثابة “حدث” حاول كسر الشلل الهيكلي وصياغة إطار جديد لسيادة الدولة، وإن ظل عاجزاً عن التغلب على التناقضات التاريخية العميقة.
يعد التمييز بين مكونات السلطة أمراً حيوياً لتجنب الخلط الشائع في التحليلات السياسية؛ فالشرعية تمثل الاعتراف الطوعي والقبول المعياري بحق الحكام في ممارسة السلطة، بينما تعني الفاعلية القدرة الإجرائية والأدائية للمؤسسات على تقديم الخدمات العامة وحل الأزمات مثل الانهيار المالي وتداعيات الحروب المستمرة. أما احتكار العنف، فهو القوة المادية القسرية التي تحمي السيادة وتفرض القانون. ويتشكل مفهوم السلطة الشامل من تقاطع هذه الأبعاد الثلاثة.
تثبت التجربة التاريخية والنظرية السياسية إمكانية تمتع سلطة ما بشرعية تمثيلية واسعة محلياً ودولياً دون امتلاكها احتكار العنف، وهو ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ “السيادة المتفاوض عليها”. ويعني ذلك نظرياً تحول الدولة من فاعل مهيمن ومطلق السيادة إلى “وسيط تفاوضي” يسعى لإدارة التوازنات واسترضاء القوى المسلحة وتوفير غطاء رسمي لحماية السلم الأهلي اللفظي، مما يجعلها دولة قائمة على “التراضي الأمني” بدلاً من “الردع السيادي”.
ثانياً، الشرعية اللبنانية في سياق ما بعد 2025: الطبيعة والحدود الجيوسياسية
حملت السلطة المنبثقة عن تسوية عام 2025 ملامح فريدة لشرعية دستورية معززة بإجماع برلماني واعتراف دولي لافت، لكنها اصطدمت سريعاً بسقوف الجيوسياسة الإقليمية.
تكمن دلالة الإجماع الداخلي حول انتخاب العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية بحصوله على 99 صوتاً من أصل 128 في الدورة البرلمانية الثانية في يناير 2025 في كونه “إجماعاً اضطرارياً” وليد لحظة إنهاك عام. لقد أدت حرب 2024 والضغوط الاقتصادية الخانقة إلى دفع كافة القوى الطائفية، بما فيها حزب الله وحلفائه، إلى القبول بمرشح توافقي من خارج الاصطفافات التقليدية كسبيل وحيد لتأمين شبكة أمان داخلية وتسهيل تدفق المساعدات الدولية لإعادة الإعمار.
يمنح الدعم الدولي الواسع الذي تقوده “اللجنة الخماسية” (الولايات المتحدة، فرنسا، المملكة العربية السعودية، قطر، ومصر) السلطة اللبنانية رصيداً دبلوماسياً كبيراً يسهل انخراطها في المفاوضات الإقليمية وتلقي الدعم اللوجستي والعسكري والمادي لمؤسساتها الرسمية والجيش اللبناني. ومع ذلك، فإن هذا الاعتراف يعجز عن منح السلطة فاعلية داخلية حقيقية لكونه يصطدم، عدا عن سلاح حزب الله، بعقبة “الفساد المؤسسي المتجذر” ومقاومة النخب الطائفية التقليدية لأي إصلاحات هيكلية أو قضائية تمس بمصالحها التاريخية.
تتحرك الشرعية اللبنانية لعام 2026 ضمن مساحة رمادية تحددها استراتيجيات متناقضة لكل من إسرائيل وإيران. اذ تظهر هذه المعادلة الجيوسياسية المتناقضة كيف أن الدولة اللبنانية واقعة بين فكي كماشة: إسرائيل التي تسعى لفرض شروط استسلام ميدانية وتكريس تفوقها العسكري ، وإيران التي تعتبر الساحة اللبنانية ومقاومتها المسلحة خط دفاع أول عن عمقها الاستراتيجي، مما يلغي فكرة حياد الدولة أو استقلالية قرارها السيادي. يضاف الى ذلك عدم وجود استراتيجية اميركة واضحة تحدد كيف سستعامل مع لبنان كدولة لها مستقبل او كجزء من اعادة ترتيب المنطقة مع الحفاظ على الحد الادنى من السلطة الشرعية اذ تظهر خطابات اميركية متواترة ان اميركا تمتلك خيار اعادة تلزيم لبنان لسوريا كجزء من اعادة الترتيب.
ثالثاً، العجز عن احتكار العنف: قراءة في ثنائية التعليق الاستراتيجي والعجز البنيوي
تطرح ممارسة السلطة في ظل انتشار السلاح غير الرسمي معضلة جوهرية؛ فوجود ترسانة حزب الله العسكرية، وأسلحة المخيمات الفلسطينية، والانتشار الميليشياوي المحلي يحول دون بسط سيادة الدولة الكاملة.
تمارس السلطة اللبنانية مهامها فعلياً عبر أسلوب “الترتيبات الموضعية” والمفاوضات المستمرة مع الفواعل المسلحة لتفادي الصدام المباشر. ويتجلى ذلك بوضوح في قرار إعلان بيروت مدينة خالية من السلاح غير الرسمي، كما اعلان النوايا الذي تم التوصل إليه في واشنطن في 4 يونيو 2026 برعاية أمريكية، والذي نص على إنشاء “مناطق تجريبية” (Pilot Zones) في الجنوب يتولى فيها الجيش اللبناني السيطرة الحصرية مع استبعاد الجهات الفاعلة غير الحكومية. وتكشف مقارنة هذه الترتيبات مع اتفاق نوفمبر 2024 عن تحول جذري في طبيعة الممارسة السيادية للدولة.
ظهر هذا التباين كيف تخلت الدولة اللبنانية في عام 2026 عن نموذج المطالبة بالسيادة الشاملة والفورية لصالح مقاربة مجزأة وتدريجية متمثلة في “المناطق التجريبية”. وهي مقاربة تعكس قبولاً ضمنياً بسلطة الأمر الواقع وعجزاً عن فرض إرادة الدولة على كامل ترابها الوطني دفعة واحدة.
تستوجب هذه المعطيات تأطيراً مفهومياً جديداً يتجاوز ثنائية “الدولة القوية” و”الدولة الفاشلة”؛ فالنموذج اللبناني يمثل “الدولة ذات السيادة المجزأة” (State of Segmented Sovereignty). في هذا النمط من الدول، يُعترف رسمياً ودستورياً بالدولة كفاعل شرعي وحيد خارجياً، وتُناط بها إدارة الملفات الخدمية والمالية والدبلوماسية ، في حين يتم تقاسم السيادة الأمنية والعسكرية داخلياً مع فواعل طائفية مسلحة موازية تستمد شرعيتها من وظيفتها الإقليمية وحاضنتها السوسيولوجية.
تتأرجح سياسة السلطة بين تعليق احتكار العنف كاستراتيجية مرحلية، والعجز البنيوي عنه كواقع سيستمي:
- التعليق الاستراتيجي المرحلي: تتبنى قيادة الرئيس جوزيف عون وحكومة نواف سلام خطاباً واقعياً يتفادى الصدام المسلح المباشر والدموي مع حزب الله لمنع تفتت السلم الأهلي، معلنة التزامها بالحصرية التدريجية للسلاح عبر بناء وتطوير قدرات الجيش اللبناني اللوجستية والفنية بدعم غربي وعربي. ويُنظر إلى هذا التعليق كخطوة ذكية لكسب الوقت بانتظار تبدل موازين القوى الدولية والإقليمية.
- العجز البنيوي المستدام: تكشف الوقائع السوسيولوجية والسياسية أن الأزمة تتعدى التكتيك والخطط المرحلية؛ فالجيش اللبناني نفسه، بتركيبته الطائفية وتوازناته الدقيقة، لا يمكنه الانخراط في عملية نزع السلاح بالقوة دون المخاطرة بتصدعه وانقسامه الداخلي.، مما يجعل العجز بنيوياً ومستعصياً على الحل ضمن الشروط التاريخية القائمة للميثاق الطائفي اللبناني.
رابعاً، الآفاق المستقبلية: المسارات الممكنة وسيناريوهات إدارة الهشاشة
في ظل هذه المعطيات المعقدة والتحولات الميدانية والسياسية التي فرضها تمديد ولاية البرلمان عام 2026 وتوقيع إعلان واشنطن ، تبرز مسارات محددة وشروط واضحة ترسم السيناريوهات المحتملة لمستقبل السلطة في لبنان.
تتمثل المسارات المتاحة لتوسيع حدود السلطة تدريجياً وبطريقة هادئة في نقاط استراتيجية محددة:
- توسيع وبسط سيطرة “المناطق التجريبية” (Pilot Zones): يمكن للدولة توظيف نجاح انتشار الجيش اللبناني في مناطق محددة بالجنوب كأداة لإثبات قدرتها الأمنية وطمأنة السكان المحليين لتسهيل عودتهم وإعادة الإعمار، مما يسحب الذرائع الأمنية للاحتلال والعمل المقاوم الموازي.
- إحكام السيطرة على المنافذ والحدود والمعابر: تشديد الرقابة التقنية والعسكرية بدعم دولي استخباراتي ومالي على الموانئ، والمطارات، والحدود البرية لضبط عمليات التهريب، مما يحد من تمدد القدرات العسكرية واللوجستية للفواعل المسلحة دون الصدام المباشر معها في الداخل.
- تفعيل الدبلوماسية المباشرة وحصرية التمثيل الخارجي: تسيير شؤون التفاوض المباشر مع القوى الدولية يعزز من مكانة الرئاسة والحكومة كفاعل وحيد قادر على إنهاء الاحتلال وجلب الدعم الاقتصادي، وهو مسار يضعف الحجج الإيديولوجية للفواعل المسلحة التي تعتقد بحصرية القدرة على الدفاع والتحرير.
لكي تتحول الشرعية الحالية إلى رافعة حقيقية لبناء الدولة وليست مجرد سقف لتسوية هشة، تبرز شروط موضوعية ملحة:
- إجراء إصلاحات هيكلية واقتصادية صارمة: مكافحة حقيقية للفساد واستقلالية القضاء لانتزاع ثقة المواطنين والتفافهم حل الدولة كما المجتمع الدولي والمانحين.
- تعزيز حياد ونزاهة المؤسسة العسكرية والأمنية: الحفاظ على ابتعاد الجيش عن التجاذبات السياسية الطائفية لضمان استمرار الدعم الغربي والعربي المالي والفني كركيزة أساسية لبناء قوة ردع وطنية متماسكة.
- العودة للمسارات الدستورية وتجنب التأجيل المستدام: يجب أن يظل قرار تمديد البرلمان لعامين في مارس 2026 إجراء استثنائياً لا يتكرر ، وتلتزم السلطة بإجراء انتخابات نيابية شفافة تضمن تمثيلاً حقيقياً يعبر عن التحولات السوسيولوجية الجديدة.
السيناريوهات المستقبلية الممكنة
| ملامح السيناريو | السيناريو الأول: التوطيد التدريجي والمحصور (Gradual Consolidation) | السيناريو الثاني: التجميد الطويل وإدارة الهشاشة (Prolonged Freeze) | السيناريو الثالث: إعادة إنتاج الانهيار والصدام (System Collapse) |
| ديناميكية السلطة | توسع بطيء وناجح لسيطرة الجيش اللبناني عبر آلية المناطق التجريبية. | بقاء السلطة في موقع الدفاع العاجز وتسيير الأعمال مع تمديدات دستورية دورية. | مواجهة عسكرية مباشرة وغير محسوبة بين الجيش وحزب الله أو غزو إسرائيلي شامل. |
| حالة الفواعل المسلحة | تراجع تدريجي للمربعات الأمنية وتحول حزب الله لفاعل سياسي محلي. | احتفاظ حزب الله بترسانته وإعادة بناء قدراته اللوجستية بدعم إيراني مستمر. | انفجار الأوضاع أمنياً وتصاعد نفوذ الفواعل المحلية والطائفية بالمناطق. |
| الموقف الإقليمي | استقرار نسبي لاتفاقات وقف إطلاق النار وتراجع نسبي للخرق الإسرائيلي. | استمرار الاعتداءات الإسرائيلية الموضعية والتدخلات الإيرانية لتأمين نفوذها. | انهيار كلي للتفاهمات وتحول الساحة اللبنانية لصندوق بريد عسكري مشتعل. |
| الاحتمالية السوسيولوجية | مرتفعة ولكن تتطلب غطاءً إقليمياً متماسكاً. | مرتفعة لكونها تلائم المصالح والتوقعات الطويلة الامد للاطراف المتحاربة. كل من اسرائيل وايران يعتقد ان الوقت لصالحه | ضعيفة الى متوسطة وترتبط بفشل مسارات التفاوض الإيراني-الأمريكي الموسع. |
يظل سيناريو “التجميد الطويل وإدارة الهشاشة” هو الأكثر مواءمة لطبيعة السوسيولوجيا السياسية اللبنانية؛ حيث يتيح للمنظومة الحاكمة البقاء عبر صياغة تسويات مرنة ومؤقتة تضمن عدم الانهيار الكلي للدولة دون بذل أي جهود حقيقية لتجاوز أزماتها البنيوية المستعصية. ويبقي هذا الواقع حدود السلطة اللبنانية معلقة عند تخوم التراضي الطائفي والإرادة الجيوسياسية الخارجية.