
لعبت باكستان، خلال أزمة الولايات المتحدة وإيران، دور الوسيط المحايد، بدفع من الصين، وهي مهمة شاقة. إن الحياد هنا ليس حياداً أخلاقياً أو أيديولوجياً، بل حياد وظيفي يسمح لإسلام آباد بتحويل موقعها الجغرافي والسياسي إلى قيمة تفاوضية. أي إن باكستان لا تمارس حياداً بالمعنى التقليدي، لكنها تحتاج إلى تحالفات اقتصادية وأمنية مع أطراف متنافسة؛ فالصين تمنح باكستان رأس المال والبنية التحتية والتجارة والتكنولوجيا، بينما يمثّل الخليج بالنسبة إليها مصدراً مهماً للتمويل والاستثمار والتحويلات والطاقة والنفوذ السياسي.
وقّعت باكستان، في 7 آب 2026، اتفاق دفاع مشترك مع السعودية وتركيا. واللافت أن العلاقة الباكستانية – السعودية دخلت، في هذا التاريخ، مرحلة جديدة؛ فأي اعتداء على دولة من الدول الثلاث يُعدّ اعتداءً عليها جميعاً. وفي الوقت نفسه، تواصل باكستان تعميق شراكتها الاستراتيجية والاقتصادية مع الصين، وتسعى إلى تحسين علاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة.
تُعتبر الصين العمود الفقري للاستراتيجية الاقتصادية الباكستانية، وليست مجرّد حليف سياسي. فالممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC) يربط ميناء غوادر بشينجيانغ عبر شبكة من الطرق والسكك الحديدية والبنية التحتية. وتعمل إسلام آباد حالياً على تطوير نسخة أكثر تقدماً من الممر، مع التركيز على غوادر.
أضف إلى ذلك أن الصين تُعدّ سوقاً أساسية للبضائع الباكستانية، وتُظهر بيانات التجارة الباكستانية حجم هذا الارتباط؛ ففي الربع الثالث من السنة المالية 2024 – 2025، استحوذت الصين على نحو 30.8٪ من إجمالي واردات باكستان، لتأتي في المرتبة الأولى بفارق كبير عن بقية الشركاء. أما الولايات المتحدة، فكانت حصتها نحو 3.5٪ من الواردات في الفترة نفسها، فيما بلغت حصة السعودية 6.2٪.
فالموقع الجغرافي لباكستان يجعلها بوابة محتملة بين الصين وآسيا الوسطى والخليج والمحيط الهندي. وإذا نجحت في تحويل غوادر إلى مركز إقليمي للنقل والتجارة، فقد يصبح الاقتصاد الجغرافي أهم من التحالف السياسي نفسه.
ورغم عمق العلاقة الصينية – الباكستانية، تحتاج باكستان إلى الولايات المتحدة في التجارة والاستثمار والتمويل والعلاقات مع المؤسسات المالية الدولية، فضلاً عن أهمية السوق الأميركية. وفي تموز 2026، سعت إسلام آباد للحصول على نحو 10 مليارات دولار من الولايات المتحدة كتمويل لدعم استقرار العملة، إضافة إلى تمويل تجاري عبر بنك التصدير والاستيراد الأميركي، في محاولة لتنويع مصادر التمويل بعيداً عن الاعتماد على صندوق النقد الدولي والصين والسعودية.
بناءً على ما تقدّم، تقف باكستان أمام معادلة جيوسياسية واقتصادية شديدة التعقيد. تاريخياً، لا تقطع إسلام آباد مع واشنطن، ولا تبتعد عن بكين، ولا تتخلى عن الخليج. فالولايات المتحدة مهمة للأسواق والتمويل والنظام الدولي، والصين مهمة للتنمية ومهم للتمويل والأمن. لذلك تحاول إسلام آباد المحافظة على هامش مناورة بين الولايات المتحدة والصين ودول الخليج، لأن اقتصادها لا يحتمل خسارة أيّ من هذه الدوائر في وقت واحد.
يقترب الناتج المحلي الإجمالي الباكستاني من 407 مليارات دولار، فيما يبلغ نصيب الفرد من الناتج نحو 1,596 دولاراً. وقد نما الاقتصاد بنحو 3.7٪ عام 2025، وفق بيانات البنك الدولي.
ففي الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2025 – 2026، بلغت صادرات السلع الباكستانية نحو 22.7 مليار دولار، مقابل واردات بلغت 50.7 مليار دولار، أي عجز تجاري للسلع يقارب 28 مليار دولار خلال تسعة أشهر فقط. وفي المقابل، وصلت تحويلات العاملين إلى نحو 30.3 مليار دولار خلال الفترة نفسها. وتُعدّ هذه التحويلات عنصراً أساسياً في الاقتصاد الباكستاني؛ إذ تجاوزت قيمة صادرات السلع خلال الفترة نفسها بنحو 7.6 مليارات دولار.
وهنا تظهر إحدى أهم نقاط الضعف في النموذج الاقتصادي الباكستاني: البلاد تستورد أكثر مما تصدّر، وتحتاج إلى التحويلات والتمويل الخارجي لسدّ جزء من الفجوة. ولذلك لا يمكن فصل سياستها الخارجية عن اقتصادها وحاجتها إلى الدولار.
وهذا يفسّر أهمية الخليج بالنسبة إلى إسلام آباد. فوجود ملايين الباكستانيين العاملين في دول الخليج يجعل العلاقة مع السعودية والإمارات وقطر ودول المنطقة ذات بُعد اقتصادي مباشر؛ لأن استقرار هذه العلاقات ينعكس على التحويلات والاستثمارات والطاقة والتجارة.
وتفسّر هذه الأرقام والنسب جانباً أساسياً من السياسة الخارجية الباكستانية: فالدولة ذات الاقتصاد الكبير من حيث الحجم، لكنها محدودة نسبياً من حيث دخل الفرد، لا تستطيع أن تخوض صراع المحاور الكبرى من موقع اقتصادي مريح. ولذلك اختارت إسلام آباد، بدل الانحياز الكامل، سياسة تقوم على توزيع علاقاتها بين الصين والولايات المتحدة ودول الخليج، مع الحفاظ على هامش مناورة سياسي يسمح لها بتجنّب الارتهان الكامل لأي محور.
لذلك فإن الحياد الباكستاني ليس حياداً سلبياً، بل هو أقرب إلى سياسة «تعدّد المحاور»: لا تنضم إسلام آباد بالكامل إلى معسكر، وإنما تحاول تحويل موقعها الجغرافي والعسكري إلى مصدر نفوذ اقتصادي. وهذا ما جعلها، في التطورات الأخيرة، تظهر كـ«دولة مفصلية» بين الخليج وآسيا والصين والغرب.
فباكستان ليست دولة غنية تستطيع أن تختار حليفاً واحداً وتتحمّل خسارة الآخرين. في الوقت نفسه، هي تملك أوراقاً مهمة: جيشاً قوياً، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، وسلاحاً نووياً، وقوة بشرية كبيرة، وعلاقات تاريخية مع الخليج، وشراكة عميقة مع الصين.
ولهذا، فإن القوة الاقتصادية الباكستانية المستقبلية قد تأتي من قدرتها على تحويل التوازن الجيوسياسي، والحياد السياسي، والموقع التفاوضي، إلى مكاسب اقتصادية.