Close

هندسة الجغرافيا بالقوة: التهجير القسري في جنوب لبنان تحت مجهر القانون الدولي | بقلم زهير عساف

عند فجر يوم 10 مايو 2026، يتزامن اليوم العالمي للصليب الأحمر والهلال الأحمر مع واحدة من أقسى المحطات الإنسانية في تاريخ لبنان الحديث. فمع دخول النزاع في جنوب لبنان شهره الثالث منذ تصعيد 2 مارس 2026، تجاوزت أزمة النزوح، في تكييفها القانوني، مجرد كونها «أثراً جانبياً» للأعمال العدائية.

مقدمة: حين يصبح النزوح سلاحاً

فمنذ بدء موجة التصعيد الأخيرة، اتسعت رقعة أوامر الإخلاء لتشمل أكثر من 14% من مساحة لبنان، ما أدى إلى تدمير أحياء كاملة، وبروز مؤشرات قانونية قوية على عملية «تهجير قسري» ممنهجة تهدف إلى تغيير ديموغرافي وجغرافي دائم. [1]

استجابة للحجة المضادة: يبرر الطرف العسكري المُهجِّر هذه الأوامر بضرورة تفكيك البنى التحتية المسلحة وإنشاء «منطقة عازلة». غير أن القانون الدولي الإنساني يشترط أن يكون الإخلاء مؤقتاً ومشروطاً بضمان العودة، وهو ما تثبت الوقائع الميدانية استحالته، كما سيُفصل لاحقاً.

أولاً: أرقام الكارثة الإنسانية (حتى 10 مايو 2026)

تشير الإحصاءات الموثقة حتى الأسبوع الأول من مايو 2026 إلى حجم مأساوي للضحايا والنزوح: [2، 3، 4، 5]

– النزوح القسري: بلغ إجمالي عدد النازحين المسجلين أكثر من 1.2 مليون شخص، ويقيم نحو 135 ألفاً منهم في 660 مركز إيواء جماعي، بينما تفتقر الغالبية العظمى (حوالي 85%) إلى أدنى مقومات الأمان والاستقرار خارج المراكز الرسمية.

– الضحايا: سجلت وزارة الصحة اللبنانية، حتى 7 مايو 2026، مقتل 2,727 ضحية، جلهم من المدنيين، بينهم 168 طفلاً و254 امرأة، إضافة إلى إصابة 8,438 آخرين بجروح متفاوتة. وفي انتهاك صارخ لوقف إطلاق النار المعلن في 17 أبريل، ارتفعت الحصيلة يوم السبت 9 مايو وحده بـ38 ضحية إضافية في مجازر منفصلة. [4، 5]

– استهداف القطاع الصحي: لم يسلم القطاع الصحي من آلة التدمير؛ فقد تعرض 16 مستشفى للقصف والتدمير، وأُغلقت 3 مستشفيات بالكامل، وخرج 40 مركزاً للرعاية الصحية الأولية عن الخدمة. والأكثر إيلاماً، مقتل 103 من الكوادر الصحية والطوارئ، بينهم 98 من طواقم الإسعاف، إضافة إلى إصابة 243 آخرين، وتسجيل 134 هجوماً استهدف فرق الإسعاف والطوارئ الطبية بشكل مباشر. [4، 6]

– استهداف البنية التحتية: تسببت الغارات في تدمير أو تضرر آلاف المباني السكنية، إضافة إلى تدمير 56,065 هكتاراً من الأراضي الزراعية، بما يعادل مساحة مدينة شيكاغو تقريباً، مما جعل الحياة المدنية في الجنوب شبه مستحيلة. [2، 3، 4]

– استهداف الصحفيين: لم تسلم الصحافة من الاستهداف؛ إذ أعلنت نقابة محرري الصحافة اللبنانية أن عدد الصحفيين والإعلاميين الذين قُتلوا في لبنان منذ تصعيد 2 مارس 2026 بلغ 27 بين صحفي وإعلامي، في واحدة من أكثر الفترات دموية للعاملين في القطاع الإعلامي في تاريخ البلاد الحديث. [7]

ثانياً: التكييف القانوني للانتهاكات (الرؤية العلمية)

بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، ولا سيما المادة 49 المتعلقة بحظر النقل القسري للسكان، والمادة 33 التي تحظر العقاب الجماعي، والمادة 18 التي تحمي الطواقم الطبية، إضافة إلى القانون الدولي الإنساني العرفي (القاعدة 129)، يُحظر نقل المدنيين قسراً، ولا يُسمح بالإخلاء إلا كاستثناء ضيق جداً، بشرطين: «أمن المدنيين» أو «ضرورة عسكرية ملحة». إلا أن الحالة اللبنانية الراهنة تُظهر خروقات جوهرية لهذه المعايير: [1، 8]

1. انعدام الضرورة والتناسب: إن شمولية أوامر الإخلاء، واتساعها لتشمل مدناً بعيدة عن خطوط التماس، ووصولها إلى الضاحية الجنوبية لبيروت  ومناطق متعددة من لبنان خلال غارات 6 و7 مايو 2026، يخرجها من نطاق «الضرورة العسكرية» إلى نطاق «العقاب الجماعي».

2. استراتيجية الأرض المحروقة: إن تدمير المرافق الحيوية والأراضي الزراعية والمستشفيات يحوّل الإخلاء من إجراء وقائي مؤقت إلى ترحيل دائم، فيما يُعرف قانونياً بـ«خلق واقع غير قابل للحياة» لفرض الرحيل القسري.

3. انتهاك الممرات الآمنة واستهداف المدنيين: في 9 مايو 2026، وثقت وزارة الصحة اللبنانية حادثة استهداف طائرة مسيّرة لدراجة نارية في النبطية، حيث تعرضت طفلة تبلغ من العمر 12 عاماً للاستهداف ثلاث مرات متتالية حتى فارقت الحياة، ووصفت الوزارة الحادثة بأنها «عمل همجي» و«عنف متعمد ضد المدنيين والأطفال». [4، 5، 9]

ثالثاً: مسارات الملاحقة والمسؤولية الجنائية

لا يكتفي القانون الدولي بتشخيص الجريمة، بل يحدد مسارات واضحة للمحاسبة على الجرائم الدولية الخطيرة:

– المحكمة الجنائية الدولية (ICC): يمكن ملاحقة القادة المسؤولين عن «جريمة الحرب» المتمثلة في الترحيل غير القانوني، واستهداف الطواقم الطبية والصحفيين، إضافة إلى «الجريمة ضد الإنسانية» إذا ثبت أن التهجير كان جزءاً من هجوم واسع النطاق ومنهجي ضد السكان المدنيين. [10]

– الولاية القضائية العالمية: يمكن تحريك دعاوى جنائية في دول أوروبية تعتمد مبدأ الولاية القضائية العالمية، مثل ألمانيا وفرنسا وبلجيكا، بناءً على شكاوى مقدمة من الضحايا أو المنظمات الحقوقية.

– محكمة العدل الدولية (ICJ): يمكن مقاضاة الدولة المعتدية بسبب خرقها التزاماتها الدولية، والمطالبة بتعويضات للنازحين وضمان حقهم في العودة. [8، 11]

رابعاً: التبعات على السلم الدولي

إن الصمت الدولي تجاه تحويل الجنوب اللبناني إلى منطقة عازلة خالية من سكانها الأصليين لا يمثل خذلاناً للبنان فحسب، بل يشكل سابقة خطيرة قد تشرعن استخدام التهجير كأداة سياسية وعسكرية لإعادة تشكيل الخرائط الوطنية.

وبينما تواصل المنظمات الدولية إصدار بيانات الإدانة والتعبير عن «القلق العميق»، لم يصدر حتى الآن أي قرار ملزم من مجلس الأمن، ولا أي تحقيق دولي مستقل، ولا أي عقوبات على المسؤولين عن الانتهاكات الموثقة.

خامساً: نداء عاجل — التوصيات الختامية

استناداً إلى ما سبق، تُطرح النداءات التالية:

أولاً – إلى مجلس الأمن الدولي: اعتماد قرار فوري وملزم بوقف شامل لإطلاق النار، وتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة بشأن الانتهاكات المرتكبة في جنوب لبنان، ولا سيما استهداف الطواقم الطبية والمستشفيات والمدنيين والصحفيين.

ثانياً – إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية: فتح تحقيق رسمي في جرائم التهجير القسري والاستهداف المتعمد للمدنيين والكوادر الصحية، والعمل على جمع الأدلة وحفظها قبل ضياعها.

ثالثاً – إلى المجتمع الدولي والدول المانحة: الاستجابة العاجلة لنداءات منظمة الصحة العالمية وبرنامج الأغذية العالمي، وتوفير التمويل اللازم لدعم القطاعين الصحي والغذائي في لبنان.

رابعاً – إلى المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية: توثيق كل شهادة، وكل صورة، وكل إحداثي جغرافي لمنزل دُمّر، أو مستشفى استُهدف، أو أرض زراعية أُحرقت، لأن هذه الأدلة تمثل أداة أساسية لتحقيق العدالة والمساءلة.

ختاماً، ومع سقوط 2,727 ضحية، وإصابة 8,438 جريحاً، ونزوح أكثر من 1.2 مليون شخص، ومقتل 103 من الكوادر الطبية، ومقتل 27 صحفياً وإعلامياً، لم يعد هناك مجال للصمت. إن حماية المدنيين من «هندسة الجغرافيا بالقوة» تمثل الاختبار الحقيقي لما تبقى من هيبة القانون الدولي الإنساني في القرن الحادي والعشرين.

المراجع والمصادر القانونية

1. اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC). (دون تاريخ). دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي: القاعدة 129 – النزوح.

2. وزارة الزراعة اللبنانية. (2026، 8 مايو). بيان الأضرار الزراعية.

3. مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA). (2026، 7 مايو). Lebanon Flash Update #24.

4. وزارة الصحة العامة اللبنانية. (2026، 7–9 مايو). التقارير الإحصائية اليومية للضحايا.

5. الوكالة الوطنية للإعلام (NNA). (2026، 9–10 مايو). تغطية مستمرة للعدوان على لبنان.

6. منظمة الصحة العالمية (WHO). (2026، 9 أبريل). إفادة ممثل المنظمة في لبنان.

7. نقابة محرري الصحافة اللبنانية. (2026، مايو). بيان حول عدد الصحفيين والإعلاميين القتلى في لبنان منذ 2 مارس 2026.

8. مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR). (2026، مارس). Deaths and Displacement in Lebanon.

9. هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch). (2026، 23 مارس). Israel’s Displacement of Civilians in Lebanon Is a Possible War Crime.

10. المحكمة الجنائية الدولية. (1998). نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المادتان 7 و8.

11. الشبكة الأورومتوسطية للحقوق (EuroMed Rights). (2026). Lebanon in Crisis: One Month of War.

Facebook
LinkedIn
WhatsApp
X
Threads
scroll to top